السياسة بين العقل و العاطفة
في عالم المادة و العلم و القوة و التقنية و الواقعية المفرطة يستشري مع الأسف في عالمنا العربي بشكلٍ عام ثقافة العاطفة، ليست العاطفة الطبيعية المنطقية، بل العاطفة التي تكون اسوأ من الحماقة، حيث يكون الحُكم على الأمور ليس بناءً على الوقائع و الحقائق بل من خلال تخيلات و أقوال و تفسيرات أبعد ما تكون عن الواقع و المنطق.
في الحياة الواقعية، وتحديدًا في السياسة ،سواءً المحلية أو الإقليمية أو الدولية، هناك اناس يعملون لتحقيق أهدافهم التي وضعوها عبر خطط مدروسة و تكنيكات موضوعة بدقة باستخدام عناصر قوتهم، كما يقومون بتحسين عناصر ضعفهم لتلافي الخطأ الذي يؤدي لعدم تحقيق الهدف، بينما هناك بشرٌ آخرون لديهم أهداف قد تكون عظيمة و نافعة للبشرية ولكنها لا تسير ضمن خطة منطقية و مدروسة لتنفيذها، فيعتمدون في تحقيقها على اماني و أوهام و عواطف غالبًا ما تميل للحماقة و التواكل المذموم، لذلك تجدهم في اماكنهم لا يحركون ساكنًا، بينمًا النوع الأول تجده يتقدم و يحسن من نفسه باستمرار، وهذا لا يعني عدم وقوعه في الأخطاء، بل يقع فيها و بكثرة، لكنه يتعلم من اخطاءه و يحسنها و يستمر بالصعود بينما النوع الثاني باقٍ في مكانه مع خيالاته و احلامه دون حراك.
هذا الأمر، أي العاطفة المبالغ بها لها تأثير خطير على الشخص الذي يؤمن بها، خصوصًا لو كان قائدًا أو مسؤولًا، فتأثيرها سيجعله يعتقد امورًا لا تصح كما ستجعله يعتقد بأنه أفضل و أقوى وأنه قادرٌ على فعل كل شيء حتى لو كانت كل المؤشرات تشير بهزيمته المحتومة.
لذلك، على رجل السياسة من وجهة نظري أن يتسلح بالمنطقية و العقلانية و الحجة الدامغة مع العمل على تعزيز قوة بلاده من كافة النواحي، وايضًا لابد عليه أن يُدرك جوانب الضعف و يصلحها بكل حيادية ومنطق، وكذلك، لابد من أن يستغل نقاط قوته ليفرض بها على خصومه ما يريد تحقيقه من مصالح لبلاده.
كذلك الناس ايضًا، لابد أن يكونوا واقعيين و عقلانيين في تقييمهم للأمور التي تستجد في الأخبار، خصوصًا الأخبار السياسية في نظري، لأن الحُكم في السياسة بالعاطفة بعيدًا عن العقلانية هي أكبر كارثة.
كنت قد تحاورت فيما مضى مع أحد الأصدقاء من دولةٍ عربية مجاورة عبر وسائل التواصل الاجتماعي عن حرب غزة، وقد قال لي أمرًا جعلني أضحك منه و في ذات الوقت أبكاني و اثار في نفسي أقصى التساؤلات و بعث الحيرة و الغرابة بسبب كلامه حيث قال لي : أن غزة قد انتصرت على الإحتلال! لما سمعته توقفت برهةً اراجع حساباتي و أتذكر الأخبار التي قرأتها من مصادر عديدة، سواءً كانت فلسطينية أو عربية أو أجنبية ثم عدت و سألته كيف انتصرت غزة و اهلها يشرَّدون و يُقتلون بأقسى أنواع الموت؟ كما و أصبحت غزة ارضًا مدمرة مستويةً بالأرض فقال لي : اما الشهداء فقد اسطفاهم الله عنده وأما الدمار في الأرض فيُعاد بناءه من جديد فقلت له : ومن سيبنيه؟ ثم كيف تقنع من استشهدت عائلته بهذا الكلام؟ فقال : ينزل الله الصبر على قلوبهم، هل تشك في ذلك؟ فقلت : انا لا أشك بالطبع بأن الله سبحانه يمد برحمته و فضله على قلوب أولئك الضعفاء بالصبر و يقويهم به ولكنه مهما يكن فخسارة الانفس و الأموال و الممتلكات فاجعةٌ كبيرة قلَّ من يصبر عليها، ولكن حسنًا سلمنا جدلًا بما تقول ولكن لم تجبني عن باقي الأسئلة، من يعيد بناء ذلك الدمار؟ وايضًا كيف ستخرج دولة الإحتلال من قطاع غزة وهي التي كانت تتلهف لدخوله منذ خروجها منه في عام 2005، و للمعلومية كان نتن ياهو من أشد المعارضين لفك الإرتباط و خروج دولة الإحتلال من غزة حتى أنه استقال من منصبه كوزير للمالية وقتها كنوعٍ من الإعتراض على قرار الخروج فكيف تتوقع منه أن يخرج من غزة بعد أن جاءته الحُجة الدولية لدخولها؟ قال : اما تكلفة الإعمار فيتحملها العرب بلا شك، وعلى رأسهم دول الخليج! فقاطعته بحدة وقلت : ولماذا تتكفل دول الخليج بتكلفة حربٍ لم تكن طرفًا فيها؟ لا تقل لي واجبًا دينيًا أو مساعدةً أخوية! فلو أن هذه الحرب جاءت بنتيجة ايجابية للقضية الفلسطينية لما تأخر العرب و على رأسهم دول الخليج لحظةً واحدة في الدفاع و المساندة ولكنّي اكتشفت أنها مجرد حربٍ عبثية ما كان يفترض قيامها على الإطلاق! فقال هو بحدة : لا يفتي قاعدٌ لمجاهد فقلت : من قال لك ذلك؟ لقد عاتب الرسول الكريم عليه الصلاة و السلام و الخلفاء الراشدين رضوان الله عليهم قادة الحروب على اخطائهم و اجتهاداتهم الخاطئة و الدلائل على ذلك كثيرة، ثم إنك لم تجبني على سؤالي، كيف ستخرج دولة الإحتلال من غزة و قد دخلتها و سيطرت على نسبةٍ كبيرة من مساحتها و هجَّرت أهلها منها؟ قال ببرود : سيخرجهم الله سبحانه فقلت : لن يخرجهم الله دون سبب سبحانه، برغم مقدرته جلّ في علاه إلا أنه لن ينصرنا قبل أن نبذل الأسباب فرد علي بحماسة : على ذكر الاسباب، ألم يقل الله سبحانه في كتابه العزيز ( وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ ) فقلت بلى ولكن لماذا لا تكمل الآية الكريمة؟ ( تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ ۚ) و الإرهاب هنا بمعنى التخويف وذلك بقصد صدهم عن الإعتداء لا مهاجمتهم وهم أقوى عدةً و عتادًا! فصمت ولم يقل شيئًا بعدها.
كان هذا الانسان الذي تحاورت معه نموذجًا من ملايين النماذج العربية التي تعتقد مثلما يعتقد وقد فكر بعاطفية مبالغٍ فيها دون أي نوعٍ من العقلانية، ولا أريد أن يُفهم من كلامي هذا أني أُؤيد الاحتلال أو جرائمه، لا والله، بل إني أتمنى أن ينصر الله أهلنا في غزة على عدوهم و عدونا، ولكن هذا النصر في اعتقادي لا يكون بالدعاء وحده فقط، بل ببذل الاسباب ومنها إعداد القوة بشتى انواعها، وتشمل العسكرية و السياسية و الدبلوماسية و العلمية، كما أن من الأسباب الحوار بالمنطق و التسلح بالعلم و الإيمان و تهيئة الحلفاء و غيرها الكثير.
لذلك أنصح كل من اراد دراسة السياسة أو تحليلها أو العمل بها أن يفصل بين العاطفة و العقلانية في الحُكم على الأمور السياسية و الخيارات التي تتبعها، و ذلك حتى يستطيع أختيار أفضل الخيارات التي تصل به إلى تحقيق هدفه و تحقيق مصالح بلاده فقد يعمل سياسيٌ ما سنين طويلة بعقلانية و جد و مثابرة لتحقيق هدفٍ معين ثم يفكر بعاطفية و يتخذ قرارًا واحدًا يُفسد بسببه كل المجهود الذي بذله و يهدمه حتى يسويه انقاضًا، وهذه والله هي الكارثة.
لذلك، يجب على السياسي في وجهة نظري قبل أن يتخذ قرارًا ما خصوصًا إن كان في السياسة الخارجية لدولته أن يدرس المعطيات و الخيارات بتمهلٍ و عقلانية وأن يرى جوانب القوة و الضعف و يدرسها وأن يحلل الطرق المحتملة لتحقيق الهدف المراد بدون تدخل العاطفة و إلا فسد عمله و أتخذ قرارتٍ حمقاء مندفعة تهدم كل ما بناه خلال سنين في مدةٍ قصيرة.
لذلك، السياسة في نظري هي معركة النفس الطويل المصحوب بالحكمة و الدبلوماسية المؤدية لطريق الحصول على المصالح و المنافع بأفضل شكلٍ ممكن وأقل تكلفةٍ منطقية.
تعليقات
إرسال تعليق