قاعدة باغرام ... الحرب الثلجية في الشرق
بعد خروج الولايات المتحدة الأمريكية من افغانستان بشكلٍ مُذل في عهد بايدن عام 2021 و تركهم أسلحةً و معدات تساوي مليارات الدولارات في افغانستان صرح ترامب مرارًا بأن ذلك الخروج كان مهينًا لصورة الولايات المتحدة الأمريكية، الآن، خرجت تصريحات لترامب يقول فيها أنه لابد من استعادة قاعدة باغرام في افغانستان وإلا فستحدث أمورٌ سيئة، في الطرف الآخر، رفضت طالبان هذا الطلب رفضًا تامًا و قالت أنها لن تتنازل عن شبرٍ من أفغانستان على الإطلاق مهما كان الثمن.
بعد تصريحات ترامب بأيامٍ قليلة أمر وزير الدفاع الأمريكي بعقد اجتماعٍ طارئ لعددٍ كبير من الجنرالات و الادميرالات، وقد شملت الدعوة قادة من مواقع مختلفة حول العالم، تكهن بعض المحللين أنها للنقاش حول موضوعٍ خطير، بينما قال البعض إنه مجرد نقاش لإعادة الهيكلة لا أكثر، بينما لم يصرح البنتاغون بأي شيء، في اعتقادي الشخصي أنه يخص افغانستان و قاعدة باغرام تحديدًا.
هنا قد يطرى سؤال، لماذا يصرّ ترامب على قاعدة باغرام؟ وما هو هدفه من استعادتها هي تحديدًا؟ هناك الكثير من الإحتمالات، ولكن في تصوري هناك عدة أسباب.
اولًا : قربها من عاصمة افغانستان : ما زالت آثار الهزيمة النكراء التي تلقتها واشنطن تحرق جبينها، وذلك إثر انسحابها المهين من افغانستان كما ذكرت ، هذا بخلاف أن طالبان نجحت بحكم افغانستان رغم الحرب التي شنتها عليها الولايات المتحدة الأمريكية لمدة عشرين عامًا وخسرت بسببها الآف الجنود و ترليونات الدولارات، فأعتقد من وجهة نظري أن امريكا تود استعادة السيطرة على القاعدة لتجرب حظها مرةً أخرى و تحاول إسقاط طالبان.
ثانيًا : قربها من عاصمة باكستان : بعد الاتفاق السعودي الباكستاني للدفاع الاستراتيجي المشترك شعرت الولايات المتحدة الأمريكية ومن خلفها دولة الاحتلال بأن هناك مصدر خطر يهدد أمن الأخيرة، وذلك لأن باكستان دولةٌ نووية، كما أن تلك الاتفاقية قيدت حركة الاحتلال في المنطقة وأفقدته حرية التحرك كما يشاء و ضرب من يشاء فقد أصبح هذا الأمر من السابق بعد الاتفاقية - وقد تتوسع الاتفاقية لتشمل دولًا أخرى ما يعني تقييد حركة دولة الإحتلال أكثر - كذلك ظهرت بعض التصريحات لمسؤولين من دولة الاحتلال بأنهم يشعرون بالخطر من النووي الباكستاني الذي قد يضرب تل أبيب يومًا رغم نفي باكستان ذلك، لذلك أعتقد أن من ضمن أسباب سعي أمريكا للسيطرة على قاعدة باغرام هو محاولة بث الفوضى في باكستان بغرض سحب سلاحها النووي لتبقى دولة الإحتلال متفردةً بالسلاح النووي و تعربد كما تشاء وهذا ما لن يحصل بأمر الله تعالى.
ثالثًا : قربها من الحدود الصينية : برغم أنها ليست قريبةً جدًا من الحدود إلا أنها ليست بعيدةً ايضًا، فبين القاعدة و بين حدود الصين الغربية حوالي ستمئة كم، وقد يسأل سائل، وما الفائدة من قربها من الصين؟ فأقول : من وجهة نظري المتواضعة أن الولايات المتحدة الأمريكية قد ترغب بالسيطرة على القاعدة لتكون نقطة افتعال المشاكل ضد الصين، أي أشبه بمركزٍ للعمليات ضد جمهورية الصين الشعبية، وذلك لأن الصين حاليًا تعمل على بناء قوتها بصمت دون أن تخوض أي نزاع يؤثر على قوتها أو يستنزف ميزانيتها، وهذا ما أعتقد أن امريكا تشعر بالخطر منه، خصوصًا مع نوايا الصين بالسيطرة على تايوان التي تحوي قاعدةً أمريكية فيها.
كل هذا الإلحاح الأمريكي على قاعدة باغرام هدفه في اعتقادي فتح جبهة جديدة للحرب الثلجية لفرض الهيمنة الأمريكية و إبقاءها امدًا أطول وإشغال الصين بحروب جديدة لإستنزافها، بالإضافة لضمان أمن دولة الإحتلال وضمان بقاء مصالحها الاستراتيجية فعّالة و أول هذه المصالح هو بقاءها القوة النووية المتفردة في المنطقة.
أعتقد أن باغرام ليست مجرد قاعدة كغيرها من القواعد بل هي في نظر الامريكان مركز عمليات جيوسياسي، سواء عمليات عسكرية أو استخباراتية، وستسعى لإستعادتها بأي ثمنٍ كان باستثناء الحل العسكري لأن الولايات المتحدة الأمريكية قد جربته سنين طويلة وما عاد عليها إلا بالهزيمة و الخسارة، ولكني مع ذلك البرتقالي الأهوج "ترامب" لا أستبعد أي أمر.
ختامًا، يجب في نظري على كلٍ من أفغانستان و باكستان تطوير علاقاتهم الدبلوماسية مع الصين بأقصى سرعة وذلك للمنفعة المتبادلة في أمرين، الأول : ردع العنجهية الأمريكية، الثاني : تحقيق الاستفادة المتبادلة بين الأطراف كلٌ حسب حاجته و أهدافه، كذلك يجب على أفغانستان تطوير و تحسين علاقاتها مع محيطها الإسلامي، وتحديدًا السعودية و باكستان.
تعليقات
إرسال تعليق