الحرب الثلجية

 صورت كاميرات الإعلام كلًا من الرئيس الصيني شي جين بينغ و الرئيس الروسي فلاديمير بوتين و الرئيس الكوري الشمالي كيم جونغ اون مع بعضهم اليوم في بكين وقد جمعهم عرضٌ عسكري عُرف ب "عرض النصر" بمناسبة الذكرى الثمانين لاستسلام اليابان في الحرب العالمية الثانية، وقد حيا الرؤساء الثلاثة المحاربين القدماء الذين شاركوا في الحرب العالمية الثانية.

اجتماع روسيا و الصين الذين كانوا أهم أقطاب المعسكر الشيوعي خلال الحرب الباردة ومعهم حليفتهم كوريا الشمالية ليست صدفةً أو مجرد اجتماعٍ عابر كأي اجتماع بين رؤساء الدول، بل هو في رأيي رسالةٌ حارقة من المعسكر الشرقي إلى المعسكر الغربي.

صحيحٌ أن كلًا من الصين (بعد وفاة ماو تسي تونغ) و روسيا (بعد سقوط الاتحاد السوفييتي) اتخذتا اصلاحاتٍ اقتصادية تحولت بسببها إلى أنظمة رأسمالية، وكذلك بعض الإصلاحات في الأنظمة السياسية لتتحول إلى أنظمة ديموقراطية - روسيا تحديدًا - مع ملاحظة أن روسيا لم تتحول لنظام ديموقراطي بالكامل بل أشبه ما يكون بنظامٍ هجين، ومع ذلك، هذا لا يعني بالضرورة تغير الفكر و العقيدة السياسية و التحالفات التاريخية.

هذا الاجتماع الثلاثي بين هذه الدول حاليًا يعني في رأيي عودة حربٍ أشد برودة و توترًا من الحرب الباردة السابقة، حتى أني لأسميها بالحرب الثلجية وذلك للأسباب التالية :

1- تغير موازين القوى : الصين و روسيا ليستا كما كانوا بعد نهاية الحرب الباردة، بل أصبحوا أكثر قوة من كافة النواحي و أكثر نفوذًا في العلاقات الدولية حتى لأنهم أصبحوا ينافسون قوة الولايات المتحدة الأمريكية و نفوذها في العالم. 

2- التحالفات الاستراتيجية : بعد صعود قوة روسيا و الصين في كل الجوانب بدأتا بناء تحالفات سياسية و اقتصادية و عسكرية و جغرافية بين بعضها البعض أولًا، ثم بينهما و بين دول العالم، وذلك لجذب الدول تجاههما وإبعادهما عن امريكا خصوصًا و الغرب عمومًا، بل وحتى إن دول اوروبا بدأت تميل لروسيا رغم حرب اوكرانيا وذلك بسبب المصالح الاقتصادية ومنها النفط و الغاز الروسي، وكذلك بدأت تميل نحو الصين لسهولة التعاملات الاقتصادية معها مقارنة بالتعامل مع الولايات المتحدة الأمريكية، ومع هذا فما زال هناك نسبةٌ كبيرة من التحكم و الهيمنة الغربية بشكلٍ أكبر، ولكن هذه الهيمنة قد لا تدوم لو استمر الصعود الروسي الصيني بهذه الوتيرة.

3- مؤسسات دولية جديدة : كانت الخطوة الأولى في سبيل تحقيق هذا الأمر هو إنشاء كيان اقتصادي جديد يجمع الصين و روسيا ومعها عدد من الدول ذات الاهداف المشتركة دون أن يكون للولايات المتحدة الأمريكية نصيبٌ في هذا الكيان، وقد تحقق فعلًا بإنشاء (بريكس) والذي يهدف في توقعي لبناء نظام اقتصادي دولي جديد لا يكون فيه لامريكا نصيب، وقد بدأت بريكس في استقطاب دول العالم للإنضمام لها و نجحت بالفعل بإقناع عددٍ من الدول بالانضمام.

4 - ضعف الغرب و تشتته : في الوقت الذي يتقدم فيه الطرف الشرقي نجد ضعفًا في الطرف الغربي - امريكا تحديدًا - وانشغالًا بنزاعاتٍ عديدة تحاول من خلال الدبلوماسية انهاءها ولكنها لم تنجح حتى هذه اللحظة، ولكن هذا لا يعني ضعفًا تامًا لا يستطيع بسببه الغرب المقاومة ضد الشرق ولكنه يشكل امرًا عسيرًا بالنسبة إليه كما أنه لا يعني بالضرورة تفوق الشرق المطلق.

هنا لابد أن نطرح عددًا من الأسئلة لنعرف إلى أين تسير الأمور و سأحاول الإجابة عليها.

لماذا مصطلح الحرب الثلجية؟

كانت الحرب الباردة صراعًا بين قطب شيوعي (الاتحاد السوفييتي) و قطب رأسمالي (الولايات المتحدة الأمريكية) وكان بينهما من المواجهات غير المباشرة في دول العالم الكثير بإختلاف انواعها منها حروب اقتصادية، حروب سياسية، إسقاط أنظمة، و غيرها الكثير، اما اليوم فأعتقد أن الوضع سيصبح أصعب لأن كلا الطرفين بات يملك أسلحةً أقوى و اقتصادًا أضخم، كما وأن كلا الطرفين أصبح يملك حلفاء اقوى بعكس فترة الحرب الباردة والتي كانت فيها كلٌ من الصين بالنسبة للسوفييت و اوروبا بالنسبة للأمريكان مجرد دولٍ ضعيفة خرجت منهكةً من حروبٍ طاحنة، لذلك ستكون وتيرة الصراعات بينهما الآن أشد و أقوى و الفائز هو من يستحمل أكثر.

هل ما زال الغرب صامدًا؟ 

نعم، ما زال الغرب صامدًا ولكن هناك ضغوط قوية عليه قد تؤدي لضعفه و تقوية الطرف الشرقي لو استمر الحال على ما هو عليه، فكما ذكرت أن الغاز بالنسبة لاوروبا هو أمرٌ في غاية الأهمية ومع استمرار الحرب الروسية اضطرت الكثير من الدول الاوروبية لإعادة استيراد الغاز الروسي بسبب انخفاض التكلفة مقابل ارتفاعها في حال استيراده من غير روسيا.

كذلك تشكل حرب غزة قضيةً أخلاقية و سياسية ضد الغرب حيث أن استمرار دعمهم في كافة المجالات لدولة الإحتلال في ظل جرائمها الفضيعة تجاه المدنيين الأبرياء خلق فجوةً كبيرة وسبب لها مشكلةً اقتصادية بسبب الدعوم المالية و العسكرية التي ارسلتها لدولة الاحتلال، حتى أن كثيرًا من دول اوروبا ضاقت من هذا الأمر فقررت الاعتراف بدولة فلسطين، ومن أهمها فرنسا حيث اعلن الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون عن نية بلاده للإعتراف بفلسطين في الأمم المتحدة في 22 سبتمبر في العام الجاري.

كل هذا بخلاف النزاعات شبه المباشرة في بحر الصين الجنوبي و العقوبات الاقتصادية المتبادلة بين امريكا و الصين (رسوم الجمارك) و توسيع المنظمات الآسيوية الأخرى غير بريكس مثل شنغهاي و غيرها.

هل يستطيع الشرق التقدم؟ 

ضعف الطرف الغربي لا يعني بالضرورة قوة الطرف الشرقي و التحديات التي تواجه الطرف الغربي لا يعني أن الطرف الشرقي لا يعاني من تحديات بل هناك تحديات تواجه روسيا و الصين منها التباطؤ الاقتصادي الصيني و العقوبات الاقتصادية التي تواجهها روسيا والتي عزلتها نوعًا ما عن العالم بالإضافة لقوة النظام السياسي و الاقتصادي الحالي الذي تقوده الولايات المتحدة الأمريكية، وكل هذا سيؤدي كما اتوقع إلى حربٍ ثلجية غير مباشرة لتغيير الموازين.

إلى أين تتجه الأمور؟

في رأيي هذا الصراع لن ينتهي ولكنه و بنسبةٍ كبيرة قد يزيح الولايات المتحدة الأمريكية عن استفرادها بمنصب شرطة العالم و سيشرك معها الصين و روسيا ليعود العالم كما كان قبل نهاية الحرب الباردة عالمًا متعدد الأقطاب يتنافس فيه كل قطب ليفرض مصالحه على الأقطاب الأخرى و على دول العالم.

ختامًا، نحن امام عالم يعيد تشكيل نفسه حيث الحرب الثلجية قد تحدد ملامح القرن الحادي و العشرين وربما القرن الثاني و العشرين كذلك.

أتمنى ألا تنشب حربٌ عالمية ثالثة في سبيل الوصول إلى عالم متعدد الأقطاب أو عالمٍ يحكمه غير الولايات المتحدة الأمريكية، ولا أظن أن هناك ما يردع قيام حربٍ عالمية ثالثة إلا تعقل رؤساء الدول العظمى، أما بالنسبة للسلاح النووي فلم يعد سلاحًا للردع لأن كل الدول العظمى و الأقطاب المعنية تمتلك اسلحةً نووية فتاكة وبذلك ربما لن يستخدم ولكن الأسلحة الاخرى ستستخدم، وهذا في حال قامت حربٌ عالمية لا سمح الله.

انا شخصيًا لا أعتقد أنها ستقوم حربٌ عالمية، وسيكتفون بالنزاعات و الحروب و الصراعات غير المباشرة فيما بينهم لمد النفوذ وبهذا ندخل مرحلة الحرب الثلجية والله أعلم.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الدفاع السعودي الباكستاني المشترك

العملاق الذي استيقظ

اللسان العربي في خطر