غزة إلى أين؟
أعلن رئيس وزراء الإحتلال نتن ياهو قرارًا بإحتلال قطاع غزة بالكامل، وذلك دون أدنى اعتبار، لا للرهائن الإسرائيليين ولا للجياع الخائفين من أهالي غزة، وهذا يعني توسيع الهجوم بشكلٍ مكثف برًا و بحرًا و جوًا و تضييق الخناق بشكلٍ أكبر على المستضعفين الذين بلغ بهم الجوع و الخوف و النحول و الضعف أقصى مبلغ.
أنا في الحقيقة استغرب وأنتقد بشدة تصرفات حماس و تعنتها في رفض إطلاق الرهائن و رفضها لقبول المفاوضات و وساطات الوسطاء العرب لإيقاف هذه الحرب، صحيح أن الإحتلال غدارٌ لا يؤمن جانبه ولكن الإستمرار في هذه الحرب المُكلفة و المدمرة لا يفيد إلا الإحتلال الذي اتخذ من رهائنه ذريعةً لقتل اهالي غزة و تجويعهم و تشريدهم ولن يتضرر في المقام الأول و الأخير إلا أهالي غزة، و بتعنت حماس في عدم التعاون مع الوسطاء العرب تصبح شريكةً مع الإحتلال في استمرار سفك دماء أهالي غزة و تجويعهم وهي التي من المفترض أنها تدافع عنهم و عن حقوقهم كما تقول.
قد تقول حماس إن ما منعها من التوصل لإتفاق هو تعنت دولة الإحتلال وعدم استجابتها لشروطها، وهذا صحيحٌ لا غبار عليه، ولكن، يجب أن يعلم مفاوضو حماس أن الأفضلية في المفاوضات لصاحب النفس الطويل وهي في هذه الحالة مع الأسف دولة الإحتلال لا غزة، فالسكان هناك يموتون جوعًا و خوفًا و المًا ألف مرةٍ كل يوم، لذلك يجب أن يراعوا هذه النقطة ولا يرفعوا سقف المطالب، ليحصلوا بذلك على دعمٍ عربي و غربي كامل يجبر الإحتلال على قبول الشروط و يضعه في موضع المخطئ إذا تعنت ثم يُفرض التوافق بين الأطراف لتنتهي تلك الحرب بأسرع ما يمكن.
ثم إني وصلت مؤخرًا إلى قناعة بأن هذه الحرب ما كان يجب أن تكون ابدًا، لأنها أضرت بسكان غزة و القطاع من كل النواحي ولم تفدهم بشيء، إلا صحوة الضمير العالمي والتي قد تنقطع و تتلاشى مع إزدحام العالم بالمآسي الكثيرة مع الأسف الشديد، وقد كان من الممكن أن يحصل الكثير من الأمور التي تفيد القضية الفلسطينية دون سفك هذا القدر الكبير من دماء الابرياء.
ولكن، بما ان الحرب قد قامت ووقع الفأس بالرأس فقد اصبح من المفترض أن يتم التوصل لصفقة تنتهي بها هذه الحرب قبل أن تصل إلى حدٍ اسوأ مما هي فيه الأن، وهنا وإن كانت حماس مُلامة إلا أن الإحتلال عليه اللوم الأكبر، ولكن الإحتلال يدافع عن نفسه في الساحة الدولية و يقول بأن حماس اقتحمت حدوده في السابع من أكتوبر عام 2023 و أن رهائنه لا يزالون محتجزين، و ترد حماس قائلةً بأن الإحتلال يضيق الخناق على غزة منذ خروجه منها في 2005 ومن قبلها منذ عشرات السنين منذ النكبة عام 1948 على كامل اراضي فلسطين، وهكذا دواليك.
كان من الممكن أن يتم عقد صفقة لإنهاء الحرب قبل قرار الاحتلال ولكن بعد القرار أعتقد أن الأمور ستصبح أصعب بكثير، كما أعتقد أن حماس ستقدم الآن تنازلاتٍ أكبر مما كانت ستقدمه سابقًا فالوقت ليس من صالحها ولا من صالح شعب غزة، كما أعتقد أنها في نهاية الأمر سترضخ لشروط الإحتلال، خصوصًا لو خسرت ورقتها الكبرى التي تفاوض بها وهي الرهائن، سواءً بسبب الجوع أو بمقتلهم من قبل جيش الإحتلال، إضافةً لزيادة غضب سكان غزة عليها.
الحقيقة المؤلمة، أن من محاسن هذه الحرب رغم ما فيها من المآسي و الأهوال العظيمة التي يشيب لها الأطفال أنها كانت سببًا في إفاقة الضمير الإنساني الغربي الذي كان في سباتٍ عميق طوال حوالي سنتين - وأقصد قادة دول الغرب لا الشعوب - و ربما كان هذا الاستيقاظ بسبب الغضب الشعبي من دعم دول الغرب للإحتلال من أموال دافعي الضرائب الغربيين، حتى في الولايات المتحدة الأمريكية كانت هناك جلسة للكونغرس تحدث فيها بيرني ساندر عن الأطفال الغزاويين الجياع الذين يقتلهم الإحتلال، يا سبحان الله، هل ذات الكونغرس الذي وافق على إرسال المليارات ليدعم الإحتلال في قتل الغزاويين هو نفسه يبكي على جوعهم؟! يا للعجب!
ولكني اتمنى الا تكون صحوةً عابرة يتبعها سباتٌ عميقٌ آخر، كما أتمنى أن تكون النوايا الغربية صادقة وأن تساهم حقًا في إيقاف الحرب و دعم الدولة الفلسطينية لتصبح دولةً مستقلة ذات اعترافٍ و سيادة و قوة، إقتصادية و عسكرية، ونسأل الله تعالى أن يوفق الجهود العربية و على رأسها جهود المملكة العربية السعودية في تحقيق الإعتراف بالدولة الفلسطينية.
ختامًا، يجب أن تنتهي هذه الحرب بأسرع ما يمكن، كما يجب أن يخرج الإحتلال من قطاع غزة بأسرع ما يمكن، أما بالنسبة للداخل الفلسطيني فالوضع معقد لأبعد درجة، فالإختلاف و التناحر بين حماس و فتح و باقي الفصائل الفلسطينية لا يضر إلا بتماسك القضية الفلسطينية و صورتها امام العالم، لذلك أعتقد أن تولي السلطة الفلسطينية ممثلةً في فتح الحكم في الضفة الغربية و غزة مبدئيًا لتوحيد البيت الفلسطيني ثم تتحول كل الفصائل - بما فيها فتح - إلى أحزاب سياسية تطوي صفحة الخلافات و تشارك في الانتخابات الفلسطينية وتعمل علي هدف واحد وهو الدولة الفلسطينية بالتعاون مع الدول العربية هو الحل الأفضل في رأيي.
تعليقات
إرسال تعليق